عبد الكريم الخطيب
660
التفسير القرآنى للقرآن
ترى هذا التزاوج في الموجودات ، وإنما هم على طبيعة هي من عالم الحق ، والخير ، والنور ، فلا ترى من الأشياء إلا ما هو حق ، وخير ، ونور . . وهنا يبدو لنا بعض السر في هذا الجمع بين الجن والإنس في قوله تعالى : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » . . فالجن في هذا المقام كالإنس ، في أن كلا منهما على طبيعة يرى بها الأشياء في هذا الازدواج : الخير والشر ، والحق والباطل . . وكما جمعت هذه الطبيعة بين الجن والإنس في رؤية الأشياء على الازدواج - جمعت بينهما في الخطيئة ، وفي عصيان أمر اللّه . . فعصى إبليس أمر ربه بالسجود لآدم ، وعصى آدم ربه في الأكل من الشجرة التي نهاه اللّه عن الأكل منها . . فالشيطان عصى في أمر ، وآدم عصى في نهى . . وعصيان الأمر - في ميزان التحدّى والمخالفة - أثقل وأشنع منه ، في حال النهى . . إذ كان الأمر إيجابا ، والنهى سلبا . . فالأمر فعل ، والنهى ترك . . وإتيان المأمورات ، مقدم على ترك المنهيات ، ولهذا التزم القرآن تقديم الأمر على النهى في كل مقام اجتمعا فيه ، فقال تعالى : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » ( 110 : آل عمران ) وقال سبحانه : « يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ » ( 17 : لقمان ) . وذلك أن فعل الأمر ، يحمل في طياته الانتهاء عن منكر يقع فيه من لا يمتثل الأمر . . ومخالفة الأمر يحمل مع تضييع الأمر ، الوقوع في محذور النهى . . وليس الشأن كذلك في النهى ، الذي يقف بصاحبه عند محذور النهى ، إذا هو فعل المنهي عنه . .